أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

127

نثر الدر في المحاضرات

قال بعضهم : ستر ما عاينته أحسن من إشاعة ما ظننته . قيل لجميل بن مرة : مذ كم هجرت الناس ؟ قال : مذ خمسين سنة . قيل له : ولم ذاك ؟ قال : صحبتهم أربعين سنة ، فلم أر فيهم غافرا لزلة ولا راحما لعبرة ، ولا مقيلا لعثرة ، ولا ساترا لعورة ولا حافظا لخلّة ، ولا صادقا في مودّة ، ولا راعيا لزمام حرمة ، ولا صادقا في خبره ، ولا عادلا في حكومة ؛ فرأيت الشغل بهم حمقا ، والانقطاع عنهم رشدا . كان بعضهم يقول : اللّهم احفظني من أصدقائي . فقيل له في ذلك فقال : إنّي حافظ نفسي من أعدائي . قال آخر : إساءة المحسن أن يمنعك جداواه ، وإحسان المسئ أن يكفّ عنك أذاه . قيل لعبد اللّه بن المبارك : ما التواضع ؟ قال : التّكبّر على المتكبّرين قيل : من لا ينفذ تدبيرك عليه في إذلاله ؛ فتوفّر على توخّي إجلاله . قال الشافعي : ما رفعت أحدا فوق منزلته إلّا حطّ مني بقدر ما رفعت منه . قال المسيّب بن واضح : صحبت ابن المبارك مقدمه من الحج فقال لي : يا مسيّب ؛ ما أتى فساد العامة إلّا من قبل الخاصة . قلت : وكيف ذاك رحمك اللّه ؟ قال : لأنّ أمّة محمّد عليه السلام على طبقات خمس : فالطبقة الأولى هم الزّهاد ، والثانية العلماء ، والثّالثة الغزاة ، والرّابعة التّجار والخامسة الولاة . فأمّا الزّهاد فهم ملوك هذه الأمّة ، وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الغزاة فهم أسياف اللّه عز وجل ، وأما التجار فهم الأمناء ، وأمّا الولاة فهم الرعاة . فإذا كان زاهدا طامعا فالتّائب بمن يقتدي ؟ وإذا كان العالم راغبا فالجاهل بمن يهتدي ؟ وإذا كان الغازي مرائيا فمتى يظفر بالعدوّ ؟ وإذا كان التّاجر خائنا فعلام يؤتمن الخونة ! وإذا كان الراعي ذئبا فالشّاة من يحفظها ؟ قال بعض الحكماء : خمسة لا تتم إلا لقرنائها : الجمال لا يتم إلا بالحليّ ، والحسب لا يتمّ إلّا بالأدب ، والغنى لا يتمّ إلّا بالجود ، والبطش لا يتم إلّا بالجرأة ، والاجتهاد لا يتمّ إلا بالتوفيق .